ميس الجبل : هذا الدم مسؤوليتي
في مكان آخر من القطاع الأوسط،
بعد أسبوعين على بداية الحرب، كان معظم سكان ميس الجبل قد غادر البلدة التي تمتد
حدودها مع فلسطين نحو سبعة كيلومترات. «ابو حسين» مسؤول المقاومة في البلدة لديه
خطة واضحة وبسيطة: «أن نصمد ولا نسمح باحتلال ضيعتنا، وإذا دخلوا لا نسمح لهم
بالاستقرار».
وزع الرجل المجموعات منذ اليوم الأول للحرب. أحاطت كمائن المقاومين بالأحياء. وكان
لدى ابو حسين فائض في العديد فطلب من بعض الرجال أن يغادروا ففعلوا على مضض. آخرون
من أبناء البلدة رفضوا الذهاب. «دعني أشارك، أرجوك. لا تحرمني هذه النعمة»، قال له
رجل لم يحمل «بارودة» في حياته. «وشو بدو الكلشن؟ .. «بي سبعة» بعرف أضرب. بعمل أي
شي.. خليني شارك».
لم يستطع أبو حسين شيئاً إزاء ابن قريته، فتركه يشارك بما استطاع.
ميس الجبل مكشوفة على كاميرات المراقبة الإسرائيلية في موقع العباد. بدءاً من اليوم
الخامس عشر على الحرب، راح القصف يشتد حتى بلغ حد الهستيريا. لم يبق بيت إلا وضرب.
زرعت الأرض بالقنابل الانشطارية والعنقودية. غطت سحابة الدخان البلدة الكبيرة. ليس
من مقاوم إلا ونزل بالقرب منه صاروخ أو أغار الطيران على موقع قريب منه. لكن الرجال
تحصنوا كما يجب.
التف الإسرائيليون على ميس الجبل من جهة قرية محيبيب. حاولوا تنفيذ إنزال على تلة «رأس
الضهر». واجههم المقاومون واستمر الاشتباك لساعة انسحبوا بعدها الى الوادي. «سكت»
الإسرائيليون بعدها.
في اليومين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من الحرب، نزل الإسرائيليون على تلال
ميس العالية التي أحرقوها سلفاً.
استقروا في بعض البيوت. الشباب المتحمسون سالوا أبو حسين أن يهاجموا هذه البيوت
فرفض. هو يعلم أن المجموعات فيها تؤمن الحماية بعضها لبعض. فضلّ ان تقتصر معركته مع
الاسرائيليين على السيطرة بالنيران. هكذا، كانت مجموعات المقاومة ترمي المواقع
الإسرائيلية عن بعد 150 متراً. وكانت المجموعات القريبة من هذه النقاط هي التي ترمي
فحسب، بينما ظل الباقون كلاً في موقعه. كان المقاومون يخرجون الى الإسرائيليين
ويرمون إليهم ويعودون الى كمائنهم من دون إصابات، مما جعل البقية تطالب بالمشاركة.
لكن أبو حسين كان حاسماً: كل واحد ينتظر دوره.
بحسب الدور إذاً. «أنا مسؤول عن أمرين»، يقول ابو حسين، «الدفاع عن القرية والحفاظ
على شباب المقاومة. أنا مسؤول عن هذا الدم، وكان عليّ حمايته».
كما في القرى الأخرى، قرر الإسرائيليون أن يجربوا حظهم في ميس الجبل، لعل وعسى.
قصفوا القرية حتى تعبوا. وليلاً تحركت دبابتا ميركافا من التلة ونزلتا الى الحي
الغربي في ميس الجبل يرافقهما عشرة جنود مشاة.
يقول ابو حسين: «طلعنا بقاذفات الصواريخ. حين وصلت الدبابتان الى بداية الحي الغربي،
خرجت المجموعة من كمينها بالصواريخ، وتكرر المشهد. دبابتان تتحولان الى كومتي حديد
مشتعلتين وجنود يسقطون أرضاً».
فشل الهجوم، كالعادة ايضاً، وبدأ القصف الشديد.
«واحدة، اثنتان، ثلاثة»، ليست طريقة مناسبة لعد القذائف المنفجرة. لم نعد نستطيع
العد. بالمئات.
بعدها، قرروا الإسرائيليون سحب الدباباتين والقتلى والجرحى. المجموعة القريبة أبلغت
أبا حسين عن عملية الإخلاء. في الوقت الباقي من تلك الليلة كان المقاومون يرصدون
عملية الانسحاب المرتبكة. تُربط دبابة بالسلك وتسحب أمتاراً ثم ينقطع السلك فتهوي
وتصدم جداراً. يجرون الثانية فتحيد وتعلق في زاوية أخرى. أمضوا الليل يعملون.
ظلت اسرائيل تقصف ميس الجبل حتى اليوم الاخير من الحرب، لكنها لم تجرب حظها بالنزول
اليها ثانية.
انتهت الحرب وعاد المقاومون الى حياتهم: «طلاب وعمال وفلاحون. أناس عاديون جداً جداً
وتواضعهم لا يوصف، مع أنه، إذا كان هناك من دولة تكرم شعوبها فلن تجد مثل هؤلاء
الشبان الذين مهما فعلت لهم، لن توفيهم حقهم». يقول «أبو حسين».
أبو حسين مواطن لبناني من ميس الجبل، كان هدفه الوحيد منع إسرائيل من احتلال قريته،
وكان يعتبر نفسه مسؤولا عن دماء الشبان الذين يقاتل معهم، جنباً الى جنب، لرد العدو.